
بعد عقود من التهديدات المباشرة المتبادلة بين إيران وإسرائيل مدعومة من الغرب، دقت ساعة الصفر للحرب الإسرائيلة الإيرانية في تمام الساعة الثالثة صباحا يوم الجمعة الموافق 13 يونيو الجاري، لتفتح فصلا غير مسبوق من الصراع المتصاعد بين البلدين، بعد سنوات من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.
تاريخ أزمة النووي الإيراني
من بداية البرنامج النووي الإيراني وجذوره التاريخية إلى التحركات الدبلوماسية المتعثرة، وصولًا إلى الهجوم المتبادل الحالي، يكشف هذا التقرير خيوط الأزمة المتشابكة، حيث مرت أزمة الملف النووي الإيراني، بمراحل عدة بداية من مخاوف الغرب بعد سقوط حكم شاه إيران وتحول الدولة إلى جمهورية اسلامية، مرورا بإعلان مفتشون دوليون عثورهم على آثار يورانيوم عالي التخصيب في منشأة نطنز عام 2002، ثم المفاوضات الممتدة لسنوات وفرض العقوبات الغربية وصولا لإندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة التي بين طهران وإسرائيل مدعومة من أمريكا.
ويدخل التصعيد المتطور بين إسرائيل وإيران يومه الثامن على التوالي، بعد شن الأولى هجوما جريئا على الأراضي الإيرانية، استهدفت خلاله بعض المواقع الحيوية والإستراتيجية والشخصيات البارزة، قوبلت بهجوم عنيف من جانب طهران التي استخدمت بعض الأسلحة، للمرة الأولى في ضرب المنشآت الإسرائيلية.
بداية فكرة البرنامج النووي الإيراني
رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تقف كحائط صد أول أمام التوسعات النووية الإيرانية، لكنها من أطلقت هذا البرنامج مع زعيم طهران المقرب آنذاك شاه إيران عام 1957، ليستمر الدعم الأمريكي للنووي الإيراني من أجل أهداف سلمية وهي انتاج الطاقة، حتى أُطيح بحكم شاه خلال الثورة الإسلامية عام 1979، حسب تقرير نشرته شبكة سي إن إن.
عقب سقوط شاه إيران أمر خليفته، روح الله الموسوي الخميني، بحل أبحاث الأسلحة النووية السرية للبرنامج، إذ كان يعتبر هذه الأسلحة محظورة بموجب الأخلاق والفقه الإسلامين ولكنه أعاد السماح بإجراء بحوث صغيرة النطاق في الطاقات النووية، وسمح بإعادة تشغيل البرنامج خلال الحرب الإيرانية العراقية، وقد خضع البرنامج لتوسع كبير بعد وفاة روح الله الخميني في عام 1989.
تخصيب اليورانيوم
تنامت المخاوف الغربية، من أن تستغل طهران برنامجها النووي لإنتاج أسلحة ذرية باستخدام اليورانيوم عالي التخصيب، والتي أكدت أنها لا تسعى إلى صنع أسلحة نووية، استنادا لكونها طرف بمعاهدة حظر الانتشار النووي التابعة للأمم المتحدة.
تخصيب اليورانيوم يمثل محل الجدل الرئيسي في البرنامج النووي الإيراني، وهي عملية تُستخدم لإنتاج وقود لمحطات الطاقة، ويمكن استخدامها أيضًا عند مستويات أعلى لصنع قنبلة نووية.
ويضم البرنامج النووي الإيراني محطات، نطنز وكُشف عن وجودها عام 2002، وهي من الأبرز بين منشآت البرنامج النووي الإيراني، ومحطة “فوردو”، كشفت عنها طهران في سبتمبر 2009 وهي محصنة داخل الجبال بين طهران وقم، بجانب محطة “أصفهان” التي تضم مختبرا تم تدشينه في أبريل 2009 ينتج وقوداً منخفض التخصيب مخصصاً للمفاعلات المحتملة، إضافة إلى محطة “بوشهر”، التي شيدتها روسيا وبدأت العمل في سبتمبر 2011 بقدرة منخفضة قبل أن تُربط بالشبكة الكهربائية في 2012، بجانب بعض المحطات الأخرى والتي منها أراك وطهران وغيرهما.
وفي خطوة مفاجأة أعلن مفتشون دوليون عام 2002، عثورهم على آثار يورانيوم عالي التخصيب في منشأة إيرانية في نطنز، فأوقفت إيران التخصيب مؤقتًا، لـ 4 سنوات، لكن عودتها لإستكمال تخصيبها لليورانيون عام 2006 دفع الغرب إلى فرض عقوبات دولية عليها.
بعد فرض الغرب عقوبات على طهران جلس الطرفان على طاولة مفاوضات استغرقت سنوات حتى اعلان التوصل إلى اتفاق نووي عام 2015، تحافظ طهران بموجبه على مستويات تخصيب اليورانيوم عند 3.67% كحد أقصى، بعد أن كان وصل لما يقارب 20%، وخفض مخزونها من اليورانيوم بشكل كبير، والتخلص التدريجي من أجهزة الطرد المركزي، مقابل رفع العقوبات.
يذكر أن صنع القنابل الذرية يحتاج يورانيوم مُخصب بدرجة 90%، في حين تستخدم محطات الطاقة النووية التي تُولّد الكهرباء يورانيوم مخصبًا بنسبة تتراوح بين 3.5% و5%.
الاتفاق النووي الإيرايني
وفي 2018، قرر الرئيس الأمريكي ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وفرض عقوبات إقتصادية جديدة عليها لترد طهران، بوقف التزامها ببنود الاتفاق، وبدأت في زيادة تخصيب اليورانيوم ومخزوناته، واستخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وأزالت معدات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمراقبة والرصد.
بعد رحيل ترامب عن الرئاسة الأمريكية وفوز بايدن في انتخابات 2020 عادت المفاوضات غير المباشرة مع إيران لأكثر من عام لكنها انهارت في عام 2022.
وفي 2023، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية العثور على جزيئات يورانيوم مخصبة بنسبة نقاء %83.7 وهي نسبة قريبة من مستويات صنع القنابل في منشأة نووية إيرانية.
وفي العام الماضي، أفاد تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة %60 قد ارتفع الآن إلى 408 كيلوغرامات، وهذا يكفي، إذا ما خُصب أكثر، لصنع تسعة أسلحة نووية، وفقًا لمعيار الوكالة.
اقتراب ايران من انتج القنبلة الذرية
رغم عدم إعلان إيران دولة نووية حتى الآن، إلى أن المؤشرات تؤكد إقترابها من امتلاكها القنبلة النووية، التي يقدر بعض الخبراء انتاجها خلال شهر على الأكثر، كونها أصبحت مطلبا شعبيا على خامنئ الإلتزام به أمام التهديدات الإسرائيلية والأمريكية.
وبعد عودة الرئيس ترامب إلى الحكم قادت عمان جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وطهران حول الملف النووي الإيراني، لكن الجانب الأمريكي اتهم إيران بعدم جدية المفاوضات، التي دعا رئيس وزراء إسرائيل إلى توقفها، كونها غير مجدية حسب وصفه.
في الفترة بين 10 و13 يونيو الجاري، سحبت الولايات المتحدة الأمريكية بعض قواتها وموظفيها في منطقة الشرق الأوسط، مما أثار القلق بأن شيئا ما سيحدث بشأن النووي الإيراني، وسط تحذيرات عالمية من أي تحركات مفاجأة.
الهجمات الإسرائيلة على طهران
ولم تكتمتل مفاوضات عمان، وفوجئ العام بخطوة غاية الجراءة، من إسرائيل في صباح الجمعة 13 يونيو بشن هجوما جويا شل منظومة الدفاع الجوي الإيراني، واستهدف عدة منشآت استراتيجية ومنشآت حيوية ونووية في طهران بجانب اغتيال قيادات عسكرية وسياسية وعلماء ومئات الضحايا في طهران.
استغرق الأمر ساعات حتى جاء رد الفعل الإيراني، في مساء الجمعة، بمئات المسيرات والصواريخ التي يستمر إطلاقها حتى الآن، لا سيما الفرط صوتية مما ألحق ضربات موجعة لإسرائيل بإستهداف مناطق حساسة ومنشآت حيوية واستراتيجية منها ميناء حيفا ووزارتي الدفاع والاقتصاد ومحطات للكهرباء ومنزل عائلة نتنياهو، واسقاط مئات الضحايا.